وارد بوست  الإخباريــة  

وارد بوست  الإخباريــة  

الدعم السريع: خاتمة مرحلة وبداية فصل جديد

الصراع في السودان: مفتاح التحول الجيوسياسي في منطقة شرق أفريقيا

شهدت الأزمة السودانية في مطلع سبتمبر 2026 تحولات ميدانية وسياسية معقدة، تزامنت مع تصاعد حدة الصراع بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي". لم تعد هذه الحرب، التي اندلعت شرارتها الأولى في 15 أبريل 2023 وأسفرت عن نزوح وتشريد أكثر من 14 مليون شخص، مجرد صراع داخلي على السلطة، بل باتت تهدد بالتحول إلى نزاع إقليمي شامل وعابر للحدود.

برز هذا التحول اللوجستي بوضوح في 9 سبتمبر 2026، عندما أعلن الجيش السوداني سيطرته الكاملة على منطقة "حمرة الوز" الاستراتيجية في شمال كردفان، وقطع شرايين الإمداد الغربية. هذه المعركة كشفت بجلاء آلية تمدد الحرب إلى دول الجوار، نظراً للمشاركة اللوجستية والميدانية الواضحة لدول الجوار مع قوات الدعم السريع، مقابل تشكل جبهة إقليمية موازية تدعم الجيش، وسط تراجع واضح وعجز خطير في الجهود الدولية.

تتجلى احتمالية تحول الحرب إلى دول الجوار في الدور المباشر لتشاد وإثيوبيا مع قوات الدعم السريع؛ ففي الجبهة التشادية، تلاشت الادعاءات الرسمية لإنجمينا بالحياد، حيث أكدت تقارير أممية صدرت في سبتمبر 2026 أن مطار "أم جرس" ومناطق شرق تشاد تحولت إلى قواعد إمداد عسكري مفتوحة لتمرير الأسلحة والذخيرة والدعم اللوجستي عبر الحدود نحو دارفور، مدفوعة بامتدادات قبلية مشتركة تجمع أطرافاً في الحكم التشادي بقيادات الدعم السريع. هذا التورط وضع تشاد في خط النار المباشر، مع تسجيل اختراقات مسلحة وتوغلات لطائرات مسيرة داخل بلدة "الطينة" الحدودية، مما ينذر بنقل شرارة الحرب عرقياً وعسكرياً إلى العمق التشادي في حال انفجار الأوضاع في دارفور. ولا يختلف الوضع كثيراً على الجبهة الإثيوبية، حيث تصاعدت الاتهامات لأديس أبابا بفتح معسكرات تدريب وتوفير غطاء لوجستي ميداني لحلفاء الدعم السريع قرب حدود ولاية النيل الأزرق.

ميدانياً، شهدت جبهة "الكرمك" الحدودية اشتعالاً جديداً تسبب في موجة نزوح تجاوزت 5,400 شخص خلال الأيام الأخيرة، مما يزيد من احتمالية وقوع صدام مباشر بين الجيشين السوداني والإثيوبي، نظراً لتداخل هذا المحور مع النزاع القديم في "مثلث الفشقة" وتعقيدات الحسابات السياسية المتعلقة بـ"سد النهضة".

في المقابل، برز دور محور الدول الداعمة للجيش السوداني وحكومة بورتسودان في منع انهيار مؤسسات الدولة النظامية، وعلى رأسها إريتريا ودولة جنوب السودان ومصر. فقد اختارت أسمرة، بقيادة الرئيس أسياس أفورقي، الانحياز الكامل للجيش، وفتحت معسكرات تدريب على أراضيها لفصائل مسلحة من شرق السودان مثل مؤتمر البجا، بهدف حماية حدودها ومنع تمدد قوات الدعم السريع نحو البحر الأحمر، الذي قد يحول شرق السودان (كسلا والقضارف) إلى ساحة حرب بالوكالة لتصفية الحسابات التاريخية العالقة بين إريتريا وإثيوبيا. أما دولة جنوب السودان، فتبدو محاصرة بمخاوف وجودية تتعلق بأنبوب النفط الذي يمر عبر الأراضي السودانية إلى ميناء بورتسودان، والذي يمثل 90% من ميزانية جوبا، مما دفعها إلى دعم خيارات الجيش الأمنية وتأمين الحدود المشتركة، خاصة مع تزايد مخاطر استقطاب القبائل الحدودية في منطقة "أبيي" النفطية نتيجة تصاعد المعارك في محيط مدن كردفان.

في ظل هذا الاستقطاب الإقليمي الحاد، يتجلى الفشل الذريع لآليات الوساطة الدولية؛ فقد تحولت جهود منبر جدة، والوساطة الأفريقية عبر "إيغاد"، والمبادرات الأمريكية والآلية الخماسية الدولية إلى مجرد مظاهر صوتية عاجزة عن فرض أي اتفاق على الأرض. ويعكس المقترح الأمريكي الأخير أمام مجلس الأمن الدولي في 3 سبتمبر 2026، الذي طالب بتوسيع حظر السلاح الشامل على السودان بحلول 12 سبتمبر 2026، عمق الأزمة الدبلوماسية، حيث اعتبرته حكومة بورتسودان مساواة غير عادلة بين جيش شرعي وميليشيا متمردة.

هذا العجز الدولي في تقديم حلول سياسية جذرية أجبر الأطراف على الاستمرار في "حرب الشرايين اللوجستية"، ليجد السودان نفسه في الربع الأخير من عام 2026 في معادلة قد تتحول إلى شرارة تفجير منطقة القرن الأفريقي وشمال أفريقيا (ليبيا)، مهدداً بنقل ألسنة اللهب من مناطق وسط وغرب السودان إلى عمق القارة الأفريقية، ما لم يتم تدارك عجز الوساطات الدولية وتجفيف منابع الدعم اللوجستي الإقليمي عبر تدفق المجندين والأسلحة.

X
يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط "GDPR" ليقدم لك تجربة تصفح أفضل.
يمكنك قبولها جميعًا، أو اختيار أنواع ملفات تعريف الارتباط التي ترغب في السماح بها.
إعدادات الخصوصية
اختر ملفات تعريف الارتباط التي ترغب في السماح بها أثناء تصفح هذا الموقع. يرجى ملاحظة أنه لا يمكن تعطيل بعض ملفات تعريف الارتباط، لأنه لا يمكن لموقع الويب العمل بدونها.
أساسية
لمنع البريد العشوائي، يستخدم هذا الموقع Google Recaptcha في نماذج الاتصال الموجودة به.

قد يستخدم هذا الموقع أيضًا ملفات تعريف الارتباط الخاصة بالتجارة الإلكترونية وأنظمة الدفع التي تعتبر ضرورية لموقع الويب ليعمل بشكل صحيح.
خدمات جوجل
يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط من Google للوصول إلى بعض البيانات مثل الصفحات التي تزورها وعنوان IP الخاص بك. قد تتضمن خدمات Google المتوفرة على هذا الموقع ما يلي:

- خرائط جوجل
- الخطوط المستخدمة في جوجل
معتمدة على البيانات
قد يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتسجيل سلوك الزائر، وتتبّع تفاعلات الزائرين مع الإعلانات، وبناء قاعدة جماهيرية، بما في ذلك من:

- إحصاءات جوجل
- تتبع التفاعلات (التحويلات) مع إعلانات جوجل
- الفيسبوك (ميتا بِكسل)